العيني

88

عمدة القاري

بنِ زَيْدٍ رضي الله عنهُ قال قال رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الكَمْأةُ مِن المَنِّ وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ . قال الخطابي : لا وجه لإدخال هذا الحديث هنا لأنه ليس المراد من الكمأة في الحديث أنها نوع من المن المنزل على بني إسرائيل ، فإن ذلك شيء كان يسقط عليهم كالترنجبين ، وإنما المراد أنها شجرة تنبت بنفسها من غير استنبات ولا مؤونة ، ورد عليه : بأن في رواية ابن عيينة عن عبد الملك بن عمير في هذا الباب من المن الذي أنزل على بني إسرائيل ، رواه الدارقطني ، وبهذا تظهر المناسبة في ذكره هنا ، وكأن الخطابي لم يطلع على رواية ابن عيينة عن عبد الملك ، فلذلك قال ذلك . وأبو نعيم : بضم النون : الفضل بن دكين ، وسفيان هو الثوري هنا ، وإن كان سفيان بن عيينة يروي أيضاً عن عبد الملك بن عمير ، لأن الغالب إذا أطلق : سفيان عن عبد الملك ، يكون الثوري ، وكذا ذكره أبو مسعود لما ذكر هذا الحديث ، وعمرو بن حريث القرشي المخزومي وله صحبة ، وسعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل العدوي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة . والحديث أخرجه البخاري أيضاً في الطب عن محمد بن المثنى . وأخرجه مسلم في الأطعمة عن محمد بن المثنى وعن غيره . وأخرجه الترمذي في الطب عن أبي كريب وغيره . وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم وفي الوليمة عن يحيى بن حبيب وغيره وفي التفسير عن محمد بن المثنى وغيره . وأخرجه ابن ماجة في الطب عن محمد بن الصباح . قوله : ( الكمأة ) ، بفتح الكاف وإسكان الميم وفتح الهمزة : واحدها كمء ، وعكسه . تمرة وتمر ، وهو من النوادر ، وقال ابن سيده : جمع الكمء أكمؤه وكمأة ، هذا قول أهل اللغة ، وقال سيبويه : ليست الكمأة بجمع ، كمء ، لأن فعلة ليس مما يكسر على فعل ، وإنما هو اسم الجمع ، وقال أبو حنيفة : كمأة واحدة وكمأتان وكماء . وعن أبي زيد : أن الكمأة تكون واحدة وجمعاً . وفي ( الجامع ) : الجمع القليل أكمؤة على أفعل ، والجمع الكثير : كماء ، وقال صاحب ( التلويح ) : الصحيح من هذا كله ما حكاه سيبويه ، وذكر عبد اللطيف بن يوسف البغدادي أن الكمأة جدرى الأرض وتسمى بنات الرعد ، لأنها تكثر بكثرته وتنفطر عنها الأرض ، وقال أبو حنيفة : أول اجتناثها سقوط الجبهة ، وهي تتطاول إلى أن يتحرك الحر ، وكمأة السهل بيضاء رخوة ، والتي بالآكام سوداء جيدة ، وقيل : الكمأة هي التي إلى الغبرة والسواد . وفي ( الجامع ) : تخرج ببعض الأرض ، وقال ابن خالويه في كتابه : ليس في كلام العرب من أسماء الكمء إلاَّ الذي أعرفك : الذعلوق والبرنيق والمغرود والفقع والجب وبنات أوبر والعقل والقعيل ، بتقديم القاف على العين ، والجباة . يقال : كمأت الأرض أخرجت كماءها ، وأجبأت أخرجت جباءها وهي الكمأة الحمراء ، والبدأة يقال بدئت الأرض بكسر الدال ، وعن أبي حنيفة : الفردة والفراد وعصاقل وقرحان والخماميس ، ولم أسمع لها بواحد ، قاله الفراء : وعند القزاز : العرجون ضرب من الكمأة قدر شبر أو دون ذلك وهو طيب ما دام غضاً ، والجمع العراجين ، والفطر قال ابن سيدة : هو ضرب من الكمأة . قوله : ( من المن ) ، ظاهره أن الكمأة من نفس المن ، وأبو هريرة أخذ بظاهره على ما رواه الترمذي من حديث قتادة ، قال : حدثت أن أبا هريرة قال : أخذت ثلاثة أكمؤ أو خمسة أو سبعاً فعصرتهن وجعلت ماءهن في قارورة وكحلت به جارية فبرئت ، وقال ابن خالويه : يعصر ماؤها ويخلط به أدوية ثم يكتحل به ، قال ابن العربي : الصحيح أنه ينتفع بصورتها في حال وبإضافتها في أخرى . وفي ( الجامع ) لابن بيطار : هي أصل مستدير لا ورق ولا ساق لها ولونها إلى الحمرة مائل تؤخذ في الربيع وتؤكل نية ومطبوخة ، والغذاء المتولد منها أغلظ من المتولد من القرع وليست بردي ، الكيموس ، وهي في المعدة الحارة جيدة لأنها باردة رطبة في الدرجة الثانية ، وأجودها أشدها تلذذاً وملاساً ، وأميلها إلى البياض ، والمتخلخلة الرخوة رديئة جداً ، وماؤها يجلو البصر كحلاً ، وهي من أصلح أدوية العين ، وإذا رتب بها الإثمد واكتحل به قوى الأجفان ، وزاد في الروح الباصرة قوة وحدة ، ويدفع عنها نزول الماء . وذكر ابن الجوزي : أن الأطباء يقولون : إن أكل الكمأة يجلو البصر ، وقيل : تؤخذ فتشق وتوضع على الجمرة حتى يغلي ماؤها ثم يؤخذ ميل فيصير في ذلك الشق وهو فاتر فيكتحل به ، ولا يجعل الميل في مائها وهي باردة يابسة ، وقيل : أراد الماء الذي تنبت به وهو أول مطر ينزل إلى الأرض فتربى به الأكحال ، وقيل : إن كان في العين حرارة فماؤها وحده شفاء ، وإن كان لغير ذلك فيركب مع غيره . وقال ابن التين : قيل : أراد أنها تنفع من تأخذه العين التي هي النظرة ، وذلك أن في بعض ألفاظ الحديث : وماؤها شفاء من العين ، قال : وقيل : يريد من داء العين ، فحذف المضاف ، وقال الخطابي في قوله : ( والكمأة من المن ) ، ما ملخصه : أنه لم يرد به أنها من المن الذي أنزل على موسى